فهم النصوص والقواعد الشرعية وتنزيلها (النص والعقل والواقع)

الدكتور محمد الحسن ولد أحمد: إن فهم الشريعة وإحكام النظر الكلي والجزئي فيها هو الفقه في الدين الذي مدح النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين»[1] وما ذلك إلا لقلة هذا الصنف من الناس حتى من بين العلماء فضلا عن غيرهم فقد قال صلى الله عليه وسلم «فربَّ[2] حاملِ فقهٍ لا فِقهَ له»[3] والسبب هو يسر الانزلاق وتنكب طريق الدقة في فهم النص أو القصور عن الاعتبار الشامل للكليات الشرعية أو الإعراض عن النصوص الجزئية، وهو منهج قاسط درج عليه كثير من المتفقهة _خصوصا من غير المستكملين لشروط المتفقه بله شروط الفقيه المجتهد _ مع أن "من أخذ بنص مثلا في جزئي معرضا عن كليه؛ فقد أخطأ .. كما أن من أخذ بالجزئي معرضا عن كليه؛ فهو مخطئ، كذلك"[4] وهذا الاجتزاء في الأخذ بالنصوص الشرعية وغياب المنهج الاستنباطي الثابت هو باعث نقص الرسوخ عند كثير ممن يتصدون اليوم للفتيا الشرعية إذ تطيش بهم إحدى كفتي الميزان الفقهي الذي لا يهمل الجزئي ولا يعرض عن الكلي.

وهذه الطريقة الاجتزائية هي ما حمل كثيرا من دعاة التجديد من الكُتاب والمفكرين إلى ترجيح المذهب الاستصلاحي الذي يعتمد المقاصد والقواعد العامة في الشريعة أساسا للاعتبار والاستدلال، نظرا منهم للخلل الذي أنتجه المنهج السابق.

لكن هذا المنهج –هو الآخر- لا يخلو من مآخذ إذ الرأي المبني على القواعد العامة والاستدلال المرسل حري بأن يُمنح من بذل الوسع والتمحيص ما ينهض به لمغالبة الأصول المستقرة والأحكام المنصوصة، فهل يكون الركن المفقود – في كثير من الأحيان – من المنهج الاستدلالي والإفتائي المعاصر هو العناية بفقه الواقع وربطه بمفاد النصوص والقواعد الشرعية؟

ومعالجة لهذا الإشكال أقدم هذه الورقة التي تتلخص في:

أولا الإطار الشكلي والتنظيمي لفقه الواقع المعاصر:

جدير بالمنشغلين بالفقه اليوم الاقتداء بالمنهج الذي درج عليه فقهاؤنا الأقدمون حين كانوا يتحوطون للفتاوى والنوازل التي لا يَبْعُد تحصيل الرأي الفقهي فيها من أي فقيه تُعْرض عليه، لكنهم لا يرضون إخراجها إلا بعد اجتماع أهل الفقه مع غيرهم من أهل الرأي والمشورة – وهو صنيع عمر- ومن هذا القبيل تدافعهم للفتيا أو عرضها بعد صدورها على أكثر من فقيه، كما وقع لفتوى أبي موسى الأشعري وابن مسعود في ميراث بنت الابن مع بنت الصلب[5]، وليس آخر هذه الحالات حرصهم على توريثهم جلساءَهم قول "لا أدري" في منظومة من الأعراف الفقهية يجمعها منهج التروي والإتقان، ومقاربة الكمال في سلامة الفتوى من شوائب العجلة والارتجال، وهو ما يحيل إلى الحاجة الماسة اليوم لتنطيم وتقنين فقهي يضمن استكمال الأدوات المعرفية وإدراك المناطات الواقعية للفتوى المعاصرة، ويتأكد بهذا الخصوص:

  1. فقه الواقع واستفادة الفقه من شورى أهل الخبرة

يتحتم على المجتهد شخصا كان أو مؤسسة بذل الوسع في تحصيل الرأي الفقهي، واستجلاء حقيقة الواقع التنزيلي، ومما يضمن ذلك استناد الفقيه أو المؤسسة الفقهية إلى جهود الباحثين الاجتماعيين، وعلى مصادر الخبرة مثل مراكز الأبحاث والدراسات الشرعية والفنية تعميقا للتشخيص ووقوفا مع الاستشارة.

وهذا هو مقتضى تحقيق المناط في صورته المعاصرة، ومن المعلوم أن صحة الرأي الفقهي تفتقر إلى إحكام تنزيل الحكم الثابت بالأدلة الشرعية على الواقع وذلك هو "الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله"[6] فإنه –على سبيل المثال- إذا "ثبت عندنا معنى العدالة شرعا افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة"[7]

وقد تعَقَّد الواقع اليوم وعسر الوقوف على كنه كثير من حقائقه بالنسبة لآحاد الناس ولغير المتخصصين في المجال محل الفتوى مما يُلجِئ الفقيه على الدوام إلى الاتكاء على مفاد الخبرة وإرشاد جهة فنية بحثية، كي يصيب في تنزيل الحكم على واقع المسألة المُفتَى فيها، وإلا فقد فسد اجتهاده لانخرام ركن منه هو فقه الواقع –تحقيق المناط- الذي "لا بد منه بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفت"[8] " لأن إغفال الواقع يؤدي إلى وضع الأحكام الشرعية في غير موضعها، والغفلة في إطلاقها عن تقييدها مما يفوت المصالح المرجوة من ورائها، ويفضى إلى مفاسد هي منزهة عنها"[9]

  1. الاطلاع على الحيثية القانونية

فيحبذ للفقيه المعاصر اعتبار المدونات القانونية المعمول بها في البلد – احترازا من المنظومات القانونية الموازية للشريعة الإسلامية – ذلك أن الفقيه الذي يفتي بمعزل عن مضامين هذه المدونات سيجعل مستفتيه في حرج لأنه سيفتيه –مثلا- بتملك حق ما هو بواصله – لأن الإدارة لن تمكنه إلا بما يستند لقانون – وقديما قال عمر "لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له"[10]، ويتأكد ذلك في الفتوى في مسائل المعاملات والعقود حيث لا أثر لعقد شرعي لم يترتب عليه مقصوده الشرعي في العوض لأنه وإن تعين إلا أنه لن يمكن صاحبه من الانتفاع به إلا بعد تجاوز الموانع القانونية، والمقرر عند العلماء أن "الوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصد لا تشرع"[11] وقد جعلت الشريعة حكم القاضي وفتوى الفقيه وسيلةً لتعيين الحق لمن هو له شرعا وتمكينه منه فإذا لم تنهض الفتوى بذلك قَصُرت عن تحقيق مقصودها الشرعي كليا أو جزئيا.

والمقصود هنا اعتبار المجتهد للرأي القانوني في النازلة محل الفتوى ولا يحتم عليه ذلك القولَ بخلاف ما ترجح له انطلاقا من أدلة شرعية راجحة، وإنما المراد أنه إذا احتملت المسألة عنده أكثر من رأي فالأشبه بالصواب أن يُرجح ما يوافق القانون، وخصوصا إذا أخذ بقول من يعتبر ما في المدونات القانونية -إذا اتفق مع رأي فقهي له اعتبار - بمثابة اختيار الحاكم الذي يرفع الخلاف[12]

  1. ضبط آليات الاجتهاد المعاصر

إن غاية الاجتهاد إصلاح المجتمع حتى يسير وفق أحكام الشرع، ورعايته من مظالم تلحقه، أو فجور وتمرد على الشرع يتسلل إليه، ومن هنا لم يعد من الملائم إهمال تنظيم الحقل الفقهي ولا تأخير ضبطه في سلم أولويات الإصلاح، وإذا عجز حمَلة المشروع الإسلامي وفي مقدمتهم أصحاب العلم الشرعي عن تطويره ليلبي الحاجة المتزايدة للإفتاء الشرعي، فإن ذلك منذر بتصدر غير الأكفاء وتصديهم لإضلال الناس، مما يعجل – لا قدر الله – برفع العلم «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»[13].

كما أن التقاعس عن تطوير الإفتاء الشرعي قد يقود إلى أن يتحاكم الناس إلى أهوائهم أو أعرافهم الفاسدة، فحاجة عامة الناس في معرفة أمر دينهم كبيرة، فمتى استشعروا ذلك، أزعجتهم النوازل فطفقوا يبحثون عن من ينجدهم، فإذا لم يجدوا الفقيه البصير –فردا كان أو مؤسسة- بحثوا عن البدائل التي قد لا تحمد كلها ...

ومن هنا كان لزاما على من يعنى بالإصلاح ويحمل همه إيلاءُ مسألة تنظيم العمل الفقهي الاجتهادي ما يستحق من عناية؛ حتى يتحقق في مؤسسات الفقه الجماعي تلك تكامل النظر والاجتهاد، والاستفادة التامة من أهل الخبرة حسب ما تَقدم في النقطة السابقة.

  1. تجديد النظر في الأحكام وفق مستجدات العصر

من السنن الماضية التي قررها علماؤنا تجديد النظر واستئناف الاجتهاد والمشورة كلما دعت الحاجة أو تغيرت الظروف، وأن يكون كل ذلك تبعا للركون لكتاب الله وسنة نبيه، وما استخلص منهما من ثوابت لنؤكد الفصل البين بين الثوابت والمتغيرات، فنجمع بين خصلتي الثبات والتجديد.

وهو أمر صوَّبه العلماء قديما وحديثا فقرروا تغير الفتوى بحسب الزمان والمكان والأحوال وحكَّموا الأعراف حتى قال القرافي في حق المفتي أنه: "مهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه"[14]، وليس صحيحا ما يتوهمه البعض من أن إعادة النظر في الاجتهاد المتقدم إزراء لفهوم الأقدمين كلا،  "فالاستنباطات الفقهية القديمة كانت في زمانها مصيبة، ولا يزال بعضها كذلك، والاستنباطات الجديدة المبنية على أساس سليم من تحقيق المناط هي صواب"[15] أيضا وربما كانت أليق بهذا الزمان الذي تبدلت فيه بعض مناطات الفقه المتقدم.

على أن الاجتهاد المتجدد "لا ينحصر في دائرة المسائل الجديدة بل له مهمة أخرى مع التراث الفقهي لإعادة النظر فيه على ضوء ظروف العصر وحاجات الناس لاختيار أرجح الآراء وأليقها بمقاصد الشرع ومصالح الخلق بناء على قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والإنسان"[16].

 

ثانيا: أسس ومنطلقات فقه الشرع والواقع

قدمنا الحديث عن خطل التشبث بالكليات الشرعية الذي يؤدي إلى إهمال فروع الشريعة ونصوصها المفصلة لما أجملته، غير أن ذلك لا يقتضي التهوين من شأن الوقوف على القطعيات والكليات الشرعية، فإن من حصلها ووعى صلتها بما يتفرع عنها من جزئيات بالفعل أو بالقوة فقد حاز الفقه بحذافيره، وقد قرر هذا الأصل القرافي[17].

وما تقرر هنا يحقق ركنية فقه الواقع ويضعها موضعها ولنمثل لذلك بالوقوف مع جملة أصول:

  1. القرآن أصل الأصول

المستقرئ لأحوال التشريع وتطبيقات الخلفاء الراشدين واستنباطات أئمة الدين المقتدى بهم يلاحظ أن الغالب أن القرآن يضع أصول الدين وأركانه بتفصيل؛ ووظيفة السنة التفصيل وتبيين الهيئات؛  لذا "لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها، أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي"[18] لينال بصحبته لباب العلم ومعدنه.

"فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصاً واستدلالاً، ووفقه الله للقول والعمل بما علِم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة"[19]

"فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها"[20]. قال الله تبارك وتعالى: (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد)

"فإن قال قائل أن من الأحكام مايثبت لهذا بالسنة قلنا ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة لان كتاب الله تعالى أوجب علينا اتباع الرسول صلوات الله عليه وفرض علينا الأخذ بقوله وحذرنا مخالفته قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}[21]  وقال تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول}[22] وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره}[23]

قال الشافعي فما قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله قيل فإن قيل هيئات القبوض في البياعات وكيفية الإحراز في السرقة وغالب العقود في المعاملات ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة. قلنا قد قال الله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}[24] والعرف ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم معاملة فصار العرف في صفة القبوض والإحراز والنفوذ معتبرا بالكتاب فعلى هذا نقول أن الكتاب أمثل الدلائل والسنة مأخوذة منه والقياس مأخوذ من الكتاب والسنة، والإجماع مأخوذ من الكتاب والسنة والقياس"[25].

وبالجملة فكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم منهاج المجتهد بل منهاج كل مسلم وعروته الوثقى وإجماع الأمة معصوم، وهو أصل ثابت من الأصول الشرعية، وباب الاجتهاد مفتوح أمام من تحققت فيه أهليته، وهو منبع تجدد الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وتراث الأمة واجتهاد علمائها عبر العصور ثروة يؤخذ منها ويرد شأن كل كلام غير كلام المعصوم.

  1. فقه الواقع وأثره في تغير الأحكام الشرعية

قصد الشارع تعدد المعاني واحتمال الدلالات، كما وضع الشريعة لجميع الناس عبر الأزمنة والأمكنة؛ ومن ثم اشتملت الشريعة على أحكام ثابتة وأخرى متغيرة فعامة الأحكام المخرجة على قواعد خطاب الوضع منها، وكما أن بعض أحكام خطاب التكليف كذلك، أما الثوابت الشرعية فهي: التي تستوعب أصول العقائد وأمهات الأخلاق والسلوك، والعبادات، وأمهات مسائل المعاملات وقواعدها الأساسية. ومنها عامة القواعد الأصولية الكلية ومثالها الأوضح هو المصالح الضرورية الخمس (حفظ الدين والنفس والعرض، والنسل والمال) وما لا تحفظ إلا به[26].

والمجتهد في كل عصر مطالب بمراعاة الفرق بين ثابت الأحكام ومتغيرها وإلا وقع في الغلط وأوقع فيه غيره قال ابن القيم في إعلامه "فصل في تغيير الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد"[27] ثم قال "هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل"[28]

  1. مكانة المقاصد من بين علوم المجتهدين

لخص الشاطبي الشروط المعرفية للمجتهد في معرفة اللغة ومقاصد الشريعة[29] وهذا تنَبُّهٌ منه إلى أهمية الإلمام بمقاصد الشريعة للمجتهد لكون مقاصد الشارع منها ما يفيد في فهم أسرار التكاليف في الأحكام الثابتة بالنصوص، وذلك ما يفيد عند ممارسة الاجتهاد الواسع –الاستدلال المرسل- ومنها ما يفيد في استنباط الأحكام المسكوت عنها بناء على ملاحظة المعاني والحكم التي قصدها الشارع.

فالأصوليون يلحقون المقيس بالمقيس عليه وهو هاهنا قصد الشارع فهو إذن استنباط الحكم الفقهي لمسألة ما، عن طريق ردها إلى معنى ثبت أنه مقصود للشارع وإشراكها في حكمه؛ وهذا كما ترى مطابق لما يسميه الأصوليون بالمسلك المناسب.

فالقياس في الضروري مثلا جار في جميع مراتبه

  • ففي حفظ النفس : القصاص في القتل بالمثقل قال الجويني: "كل معنى يستند إلى هذه القاعدة ... فهو على المرتبة العليا من أقيسة المعاني"[30]
  •  وفي حفظ المال: إلحاق النباش بالسارق
  • وفي حفظ العقل: إلحاق النبيذ بالخمر.

استدراك:

المقصد الشرعي مُعَرَّض لعدم الانضباط؛ فرفع الحرج مقصد لكن الألم الباقي بعد التخدير الجزئي يراه جل الفقهاء المعاصرين حرجا لكن الشيخ محمد الحسن الددو لا يراه كذلك ولذا لم يرخص في التخدير الكلي في العمليات التي تجرى في أطراف الإنسان.

ولعدم انضباط المقصد لزم الحذر عند القياس عليه والإلحاق به لأن الشارع قد يراعي ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر في الأفراد ولا يعتبره في الجنس.

 وقد مثل لذلك القرافي بـ"الضرورة والحاجة" فقد "لا يكتفي الشارع بحصولها في الجنس لفحش ذلك الفعل بل لابد من وقوعه للشخص كأكل الميتة، وقد يشتد القبح فلا يباح مع الضرورة في مورد الشرع ، بل يوجب الانقياد للهلكة، لفرط القبح كالمكره على الزنا والقتل ، لا يباحان له"[31]

  1. تأثير مقاصد المكلفين في الأحكام:

الدارس للفقه وقواعده وعلله يدرك الأثر البالغ لمقاصد المكلفين في تغير الحكم الشرعي وذلك أن الشريعة راعت حظوظ المكلفين في كثير من أحكامها ومن هذا المنحى روعيت قاعدة العرف وتحكيم العوائد؛ ولنمثل لقوة مقاصد الكلفين في الأحكام بما قرره علماؤنا من قبل ومن ذلك:

  • ما فصَّله الباجي في علة الربوية في الأجناس بأن "الأصل في ذلك أن معنى الجنس عندنا في هذا الباب ما انفرد بالمنفعة المقصودة منه فإذا اختلف الشيئان في المنفعة المقصودة منهما كانا جنسين مختلفين وإن سميا باسم واحد وإن اتفقا في المنفعة المقصودة وافترقا في الاسم [فهما جنس واحد]... ولذلك جوزنا التفاضل بين التمر العربي والتمر الهندي وبين الجوز الهندي والذي ليس بهندي"([32]). 
  • وفي مسألة مشابهة ذكر معلِّلا سبب تجويز الشارع مبادلة الأجناس الربوية بعضها ببعض, كيفما اتفق, متى ما اختلفت هذه الأجناس, رابطا ذلك بمقاصد المتبايعين "... لأن الجنسين لما اختلفت الأغراض فيهما، وتباين أمرهما لم تتقصد المغابنة  في الكيل بينهما، ولا قصد كل واحد منهما أن يكون ما أخذ من الكيل أكثر مما أعطى ; لأن له في ذلك غرضا غير الغبن في القدر هو أبين منه وأظهر وهو مخالفة منفعة ما أعطى لمنفعة ما أخذ، وإذا كانا من جنس واحد، وتقاربا كان الأظهر أنه إنما قصد كل واحد منهما غبن صاحبه في القدر، وذلك من باب المخاطرة التي تمنع البيع، والمبادلة[33].
  • وفي تعلق الرِّبَوِيَّةِ بالحَلْيِ يقول ابن العربي: (إن حكم الربا يتعلق بعين الذهب والفضة، ولا اختلاف فيه؛ فإن كان  حَلْيا فقد اختلف فيه علماؤنا هل تجري فيه أحكام الربا كلها كما تجري في الذهب والفضة أم لا؟ وهذا يستمد من بحر المقاصد[34]، فإنه كان عينا في أصله فأخرجه القصد والصياغة إلى باب العروض... وقال جماعة من العلماء: الربا منصوص عليه متوعد فيه، والمقاصد والمصالح مستنبطة فقد تعارضت قاعدتان إحداهما قاعدة الربا وهي منصوص عليها متفق فيها, والثانية قاعدة المصالح والمقاصد وهي مستنبطة مختلف فيها فكيف يتساويان فضلا عن أن ترجح قاعدة المصالح والمقاصد، واستهول هذا القول جماعة، والجواب فيه سمح؛ فإن الربا وإن كان منصوصا عليه في ذاته وهي الزيادة فإنه عام في الأحوال والمحالّ،والعموم يتخصص بالقياس فكيف بالقواعد المؤسسة العامة)[35].

ثالثا خاتمة:(أولويات وآفاق)

لا ينبغي ختام هذه الورقة قبل تبيين جملة أولويات وآفاق تسعف في اختيار السبيل الأقوم لفهم الواقع والوعي التام به من لدن الفقيه المعاصر مما يرجح سلامة تنزيل النص عليه من جهة والسير به نحو الوجهة التي تلائم الشرع وتصلح الواقع من جهة أخرى، وأهم ما ينبغي التنبيه عليه في هذا الصدد هو:

  1. أهمية "العلم بالأحكام الشرعية التي لها حق التقديم على غيرها بناء على العلم بمراتبها وبالواقع الذي يتطلبها"[36]
  2. أولوية المقاصد على الظواهر فالعمل بمقصود النص مقدم على العمل بظاهره فذلك هو مذهب علماء الاستنباط من السلف والخلف "والألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟ كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون: {ماذا قال آنفا}وقد أنكر الله - سبحانه - عليهم وعلى أمثالهم بقوله: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} فذم من لم يفقه كلامه، والفقه أخص من الفهم، وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه والعلم.

وقد كان الصحابة يستدلون على إذن الرب - تعالى - وإباحته بإقراره وعدم إنكاره عليهم في زمن الوحي، وهذا استدلال على المراد بغير لفظ"[37]

  1. المؤهلات العلمية للمجتهد بين علوم الغاية وعلوم الآلة

تحدث الأصوليون عن شروط المجتهد فمن مثقل ومخفف وقد نخل الباحث محمد ولد سيد أوبك أبواب الاجتهاد عند معظم الأصوليين وأشرف عليها ثم خرج بخلاصة مفادها أن "من أمعن النظر في كلام الأصوليين ـ بدءا من الشافعي إلى الشوكاني ـ سيجد أن السمة الغالبة على شروط الاجتهاد هي كونها صعبة لا سهلة ولكنها طبعا ليست مستحيلة"[38]

والذي يظهر لي أن مرد اختلافهم يرجع إلى التفات بعضهم إلى جهة الغاية فيختصر في شروطه وهذا هو نهج الشاطبي الذي لخص شروط الاجتهاد في معرفة اللغة ومقاصد الشرع وإذا أضيف لما ذكره الشاطبي ركنان آخران هما الملكة وفقه الواقع فقد كملت الأركان الغائية لشروط المجتهد، بينما بقية الشروط المعروفة عند الأصوليين هي شروط وسلية بمعنى أن من تحققت فيه الأربعة لم يحتج لبقية الشروط مع أن أغلب الناس لا تتحقق فيهم الشروط الغائية إلا بعد تحصيلهم للشروط الوسلية.

  1. فقه الواقع ودعوات تجديد أصول الفقه

يُقَصِّر كثير من أهل الفقه اليوم في حق الاطلاع على فقه الواقع ومراعاته فيجمدون على النقول الفرعية وإن تجاوزوا إلى الأصول فإنهم لا يدرسونها ليستنبطوا على وفقها ولكن ليزيدوا بها معارفهم النظرية، لكنه بالمقابل ظهرت دعوات ثائرة على الفقه (القديم) وأصوله داعية إلى تجديد الفقه والأصول ليلائما الواقع؛ وإنصافا لأصحاب هذه الدعوات الذين يعتبر عامتهم من خارج حقل التخصص الأصولي الفقهي فإن دعوتهم هذه قد قال بها جزئيا أو كليا جماعة من الراسخين في الفقه الشادِين في الأصول وكلهم إما دعا إلى تجديد في المادة والمنهج أو في الوظيفة؛ وعلى رأسهم:

- الطاهر بن عاشور في كتابه : المقاصد العامة للشريعة

- عبد الوهاب خلاف في كتابه علم أصول الفقه

- الشيخ محمد الحسن ولد الددو في محاضرة له بعنوان : مصادر التشريع الإسلامي.

- وأحمد الريسوني في محاضرة له بعنوان : مشاريع تطوير أصول الفقه ومستقبلها.

- الشيخ عبد الله بن بيه في كتابه : إثارات تجديدية في حقول الأصول

وقد سلِم المتخصصون – تقريبا من سهام المعترضين – فيما لاقت الطائفة الأولى غير المتخصصة كثيرا من الاعتراض بل التسفيه -أحيانا- ولعل رافع لواء الطائفة الأولى (غير المتخصصة) هو الدكتور : حسن الترابي في كتابه : تجديد أصول الفقه ، الذي اعتبر فيه أن القياس الموجود عند الأصوليين قياس تقليدي مستمدة قواعده من المنطق اليوناني الإغريقي، ولا يتماشى مع روح العصر؛ فدعا إلى ما أسماه : الأصول الواسعة ، والتي منها :  القياس الواسع[39].

ورغم ما في دعوات هذه الطائفة من بعض الغلط، والثغرات المنهجية وضبابية الرؤية التجديدية التي تنشدها، فإن ذلك لا يمنع من النظر في بعض ما في دعوتها من الحق ، عملا بنصيحة ابن العربي[40] لما قال إن المُناظِر المنصف لا ينبغي أن يشتغل بمناقضات خصمه عن بعض ما في ثنايا كلامه من الصواب .

وهذا الصواب تشهد له أمور منها :

 1-  اتفاق بعض فطاحلة العلماء -  من الذين ذكرناهم - على أصل هذه الدعوة بغض النظر عن الخلاف في تفاصيلها .

2 – استجدت أمور في العصر الحديث كثرت معها الفتاوى المرخِّصة  (كما في معاملات البنوك مثلا ، وفي عامة فتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء)  استنادا للقاعدة المعروفة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة)  حتى زادت الرخص على العزائم ، واختلت القاعدة المعروفة "العزيمة أصل و الرخصة استثناء"[41]  مما يطرح بقوة سؤال كفاءة المنهج الأصولي لسد الحاجة الاستنباطية اليوم؟ وذلك ما يبين حاجته إلى تجديد وتطوير.

3 – أن أصول الفقه ليس علما جامدا لا يتطور مع الزمن حتى نستنكر أي قول بتجديده فقد مر علم أصول الفقه عبر مراحله المختلفة بعملية تجدد مستمرة ، كما يوضحه الدكتور قطب مصطفى سانو في مقال له بعنوان : في مرتكزات تجديد الفكر الأصولي ، ومن السائغ أن لا يُستثنى عصرنا هذا من عملية التجديد إلا إذا قلنا بغلق باب الاجتهاد، أو عجزنا عن التجديد المذكور وربما كان الاحتمال الأخير هو الوارد لأن أغلب هذه الدعوات ظلت رغبات وطلبات لا عزمات.

غير أنني أفرق في ما يتعلق بالحاجة إلى تجديد أصول الفقه بين قسميه:

  • أولا: الأدلة الإجمالية وهي قطعية ثابتة ولا يصح في مضمونها وجوهرها تبديل كما رجحه الجويني وتبعه الشاطبي.
  • ثانيا: القواعد اللغوية والعقلية وهذه لا وجه للتشنيع على الداعين إلى تجديدها –والتجديد غير التبديد- إذ هي "مستمدة من استقراء الأساليب العربية، ومما قرره أئمة اللغة العربية، ... فهي قواعد لفهم العبارات فهما صحيحًا، ولهذا يتوصل بها أيضا إلى فهم مواد أي قانون وضع باللغة العربية"[42] بمعنى أنها صِنعة وليست وحيا، هذا من حيث الفرض والمبدأ أما من حيث الواقع فإن علم أصول الفقه علم عسير الاستيعاب ممن يريد الاجتهاد وفق قواعده التي شادها المتقدمون فضلا عن وضع قواعد بديلة...

 وعلى الثوار على الفقه القديم وأهله: وضع قواعد منهجية للتعامل مع النصوص الشرعية تساوي أو تنيف على "علم أصول الفقه القديم" من حيث المصداقية والانضباط، أما التعامل مع النص الشرعي بالعواطف وعُقد النقص من واقعنا المتخلف والانبهار بما وصل إليه الآخر وفورات التجديد التي تنطلق من الصفر ثم لا تطرد ولا تذهب بعيدا؛ بل يعاجلها الملل والفتور، فتلك مجازفة، فإما السير وفق منهج أو التخبط في المتاهة، والضرب في عماية.

--------------------------

هوامش البحث 

-------------------------

[1]  البخاري- كتاب العلم- باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين/ مسلم- كتاب الزكاة- باب النهي عن المسألة

[2]  ورب هنا للتكثير كما ذكر السيوطي في شرحه للترمذي

[3]  أحمد- مسند المدنيين- حديث جبير بن مطعم- وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم الحديث 92

[4]  أبو إسحاق الشاطبي- الموافقات- دار ابن عفان- ط:1-1417هـ/ 1997م ص: 3/174

[5]  القصة أخرجها البخاري في كتاب الفرائض

[6]  الموافقات- مصدر سابق- 5/ 12

[7]  نفس المصدر والصفحة

[8]  نفس المصدر والصفحة

[9]  الشيخ عبد الله بن بيه مقال: الاجتهاد بتحقيق المناط- بحث منشور على الموقع الرسمي لابن بيه

[10]  السنن الكبرى للبيهقي- كتاب الشهادات- باب: لا يحيل حكم القاضي على المقضي له

[11]  صالح بن عبد السميع الآبي - الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني- المكتبة الثقافية – بيروت- بدون طبعة ولا تاريخ-ص: 8.

 [12]  المقولة للفقيه الدستوري الراحل: محفوظ ولد المرابط نقلها لي أحد طلابه ولم أقف عليها في مرجع مكتوب.

[13]  البخاري-كتاب العلم-باب كيف يقبض العلم/ ومسلم-كتاب العلم -باب رفع العلم وقبضه

[14] القرافي شهاب الدين-الفروق- عالم الكتب-بيروت-بدون طبعة وبدون تاريخ-1/ 176

[15]  عبد الله بن بيه- الاجتهاد بتحقيق المناط- مصدر سابق

[16]  يوسف القرضاوي- مجلة الدوحة- عدد: 109 –سنة 1985.

[17]  انظر: الفروق-مصدر سابق- 1/ 3

[18]  الموافقات- مصدر سابق- 4/ 144

[19]  محمد بن إدريس الشافعي- الرسالة- مكتبه الحلبي، مصر ط:1-1358هـ/1940م ص:1/ .

[20]  نفس المصدر والصفحة

[21]  الحشر: 7

[22]  التغابن: 12

[23]  النور: 63

[24]  الأعراف:199

 [25] منصور بن محمد أبو المظفر السمعاني-قواطع الأدلة في الأصول- دار الكتب العلمية- بيروت، لبنان ط:1- 1418هـ/1999م ص:1/ 29

[26]  انظر: الموافقات- مصدر سابق- 2/ 31

[27] محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية-إعلام الموقعين عن رب العالمين- دار الكتب العلمية – لبنان، بيروت- الطبعة:1- 1411هـ - 1991م ص:3/ 11.

[28] نفس المصدر والصفة

[29]  انظر الموافقات- مصدر سابق- 5/52 فما بعدها

[30]  عبد الملك الجويني- البرهان في أصول الفقه- دار الكتب العلمية- لبنان، بيروت ط: 1- 1418 هـ - 1997 م -2/ 207.

 

[31]  القرافي شهاب الدين -نفائس الأصول- مكتبة نزار مصطفى الباز -ط: 1-1416هـ - 1995م -7/ 3267.

[32]سليمان بن خلف الباجي- المنتقى شرح الموطا- دار الكتاب الإسلامي، بدون ط، أو ت 4/ 159

[33] المنتقى-مصدر سابق 5/7-8

[34]  والمقصود هنا مقاصد المكلف لا مقاصد الشارع كما هو بين من سياق كلامه.

[35] عبد الله بن محمد بن العربي - القبس في شرح موطأ مالك بن أنس- دار الغرب الإسلامي- لبنان، بيروت - ط1. 1992م   2/820 

  [36] د.محمد الوكيلي- فقه الأولويات دراسة في الضوابط - المعهد العالمي للفكر الإسلامي- ط1-1997.

[37]  إعلام الموقعين عن رب العالمين – مصدر سابق -1/ 167-168

([38])محمد ولد سيد أوبك- ضوابط الاجتهاد في المقاصد- رسالة دبلوم الدراسات العليا المعمقة- جامعة المولى إسماعيل- السنة الجامعية- 2002/2003- ص. 34-35.

[39]  انظر د.حسن الترابي- قضايا التجديد: "نحو منهج أصولي" -معهد البحوث والدراسات الاجتماعية – السودان،الخرطوم - 1411هـ/1990م- ص195

[40]  انظر: عبد الله بن محمد بن العربي- أحكام القرآن- دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت-ط:1-1424 هـ - 2003 م - 3/ 262

[41]  انظر: الموافقات- مصدر سابق- 1/468

[42]  عبد الوهاب خلاف-علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع- المؤسسة السعودية بمصر-بدون طبعة وبدون تاريخ- ص: 134