عربان الشتات ومشروع اعادة توطينهم في السودان

الدكتور الدرديري محمد أحمد //أستاذ القانون بجامعة الخرطوم

بقلم: الدكتور الدرديري محمد أحمد // عربان الشتات ومشروع اعادة توطينهم في السودان ( الجزء الاول ) في اكتوبر من العام الماضي اختتمت رسالة مفتوحة للسفير الامريكي بالقول “ارجو ان تكون قد فهمت يا سعادة السفير اننا نلعب ’شّدت‘ ومن ثم لسنا بحاجة اصلا لَحكَم كرة قدم أمريكية”.

وقلت في ذلك المقال “انظر يا سعادة السفير في عدِد من مات من السودانيين في حروبنا التي تطاولت لثلاثة عقود، والتي استخدمت فيها اسلحة القرن العشرين الآلية، وقارنه بعدد من ماتوا في الحرب الاهلية الامريكية التي دارت رحاها لأربع سنوات فقط وبأسلحة القرن التاسع عشر الأقل فتكاً”.

واضفت “ولأننا نواجه بعضنا بعضا بيد واحدة ورجل واحدة فإننا لم نفقد من الضحايا في التغيير الاخير (ابريل 2019) ما كان يرجوه اعداءنا”.

ما كان ذلك القول الذي عابه البعض، ممن يقفون اليوم في خانة الدعم السريع، الا لأنني كنت أرى تحت الرماد وميض نار وأخشى ان يكون لها ضرام.

فقد كنت موقنا ان هناك من يقودنا لحرب ضارية لا تبقي ولا تذر.

وقد اعربت في فقر ٍة أخرى من ذلك المقال عن مخاوفي من اندلاع الحرب تلميحا لا تصريحا.

فالتلميح في خطاب موجه لدبلوماسي ابلغ من التصريح.

وذلك بأن اوردت مقطعا من اهزوجة يرددها غلاة البيض الامريكان يقولون فيها: “هناك حرب لابد من خوضها في هذه البلاد، ضد هؤلاء الذين تجرأوا كثيرا”.

بالطبع يشير غلاة البيض بعبارة “هذه البلاد” لبلادهم أمريكا.

غير انني قصدت من ايراد تلك الشطرة ان اشير الى بلاد الواق واق هذه.

فأهل هذه البلاد العجيبة “قد تجرأوا كثيرا” في نظر امريكا خصوصا والغرب عموما.

وأصروا على خياراتهم المعلومة ومواقفهم المشهودة التي لا يرضى عنها الغرب، وآخرها رفضهم للاتفاق الإطاري.

وليت ان مخاوفي وهواجسي قد ذهبت ادراج الرياح.

غير انه لإبدال “شدت” بكرة القدم الامريكية، كان لابد من ان يستقدم اللعيبة من خارج الحدود ممن لم يعرفوا “شدت” او يتشربوا حميميتها.

فكانت البغية هي عربان الشتات.

ولهؤلاء العربان قصة طويلة لابد من الالمام بطرف منها.

إذ لم يسمع الكثيرون ان بالنيجر او مالي عربا الا بعد هذه الحرب.

أخصص هذا الجزء الاول من المقال لتسليط الضوء على هوية هؤلاء العربان والمشروع الذي كان وراء جلبهم من مضاربهم البعيدة الى عاصمة بلادنا فيعيثون فيها فسادا.

اما الجزء الثاني فيؤسس لأطروحة لقراءة غزو العربان قراءة صحيحة تجعلنا نمنع الظل الطويل الذي يخلفه هذا الغزو وراءه من ان يسد الافق.

في عام ٤٤١ للهجرة (١٠٥٠ ميلادية) اوقف المعز بن باديس الدعاء في منابر القيروان للخليفة الفاطمي المستنصر وأسقط عبارة “حي على خير العمل” من الآذان.

كان ذلك إيذانا بإعلان خروج بلاده (تونس) على الدولة الفاطمية بالقاهرة وولائها للخليفة العباسي ببغداد، بل انسلاخها عن المذهب الاسماعيلي الشيعي واتباعها المذهب المالكي السني.

وبحسب ما اورد ابن الأثير استشار الخليفة الفاطمي وزيره “فأشار عليه بأن يسرح له العرب من بني هلال وبني جشم الذين بالصعيد (أي صعيد مصر) وان يتقدم لهم بالإصطناع ويستميل مشايخهم بالعطاء وتولية اعمال افريقية (أي تونس) وتقليدهم امرها”.

كما تلاحظ لم يشر الوزير للخليفة بإرسال جيش نظامي، وإنما طلب منه ان يوكل الأمر لهؤلاء البدو لما عرفوا به من شدة المراس، “وربما الاغارة على الضواحي وافساد السابلة” كما ذكر ابن خلدون.

وكانوا قد أحدثوا العديد من الاضطرابات في صعيد مصر الذي وفدوا اليه بآخرة.

فأراد الوزير باستشارته تلك ان يصطاد عصفورين بحجر فيتخلص من هؤلاء الاعراب ويؤدب ابن باديس.

وبقية القصة تحكيها السيرة الهلالية التي روت لنا كيف قتل أبوزيد الهلالي الخليفة الزناتي.

لم يذكر ابن الاثير كل القبائل التي شملتها تلك الهجرة.

اذ دخل في ركاب الهجرة الهلالية لأفريقيا خلق كثير،منهم بنو سليم وجهينة وجذام وبنو قيس.

وما كل من شارك في تلك الهجرة كان مقيما بصعيد مصر، وانما عَبر بعضهم برزخ سيناء قادمين من بوادي نجد والحجاز مباشرة.

وما كل من أتى مع “تغريبة” بني هلال، أي توجههم غربا بغية الغزو، كان قد جاء بقصد الغزو والإغارة، وإنما دخلت بعض القبائل افريقيا بحثا عن المرعى.

فبينما قصدت غالبية قبائل “التغريبة” تونس متيامنةً سيف البحر الابيض المتوسط، فان بعضا منها سار في ركاب هؤلاء حينا، مستأمنا على ابله، ثم فارقهم وصعد جنوبا محاذيا الضفة الشرقية لنهر النيل ليستقر به المقام عند الأتبراوي وبادية البطانة ومناطق رفاعة والصعيد، وجل هؤلاء من جهينة.

هذا بينما حاذى البعض الآخر الضفة الغربية للنيل ميمما نحو الجنوب.

عند الشلال الرابع انقسمت هذه المجموعة الأخيرة لفريقين.

جماعة اتجهت تلقاء الغرب متتبعة الواحات المنتشرة على الخط الفاصل بين الصحراء الكبرى وحزام السافانا ليستقر.

بها المقام في موريتانيا، واغلب هؤلاء من القيسيين.

بينما توغل القسم الاخر الى الجنوب الغربي متتبعا وادي الملك في ظعن متمهل استمر لأربعة قرون ليلقوا عصا التسيار عند حوض بحيرة تشاد وشمالي الكاميرون ونيجيريا، وهؤلاء من جذام.

من يعنوننا في هذا المقال هم بعض من قصدوا الى تونس وشهدوا موقعة القيروان ودكوا حصونها.

فبعد المعركة قفل اغلب بنو سليم ومعهم بطون من بني هلال راجعين لديارهم في صعيد مصر ونجد والعراق، راضين بما حصلوا عليه من ذهب كثير حكى التاريخ كيف ادى وروده اسواق القاهرة ودمشق وبغداد الى اختلال كبير في الاسعار.

بينما توغل القيسيون وغيرهم غربا فانتشروا في بلاد المغرب العربي ودخلوا الاندلس فكانوا عونا للدولة المرابطية.

اما جهينة فقد قصدت الى حوض بحيرة تشاد لتبلغه في حوالي ١٤٦٠ للميلاد، اي بعد ظعن وإنتجاع استمر لأربعمائة عام.

وبعد حادثة “شقة الناقة” او “ناقة العريقي”، المشهورة في ميثولوجيا هذه القبائل، والتي وقعت نحوا من عام ١٥٦٠ للميلاد انفتل جزء من هذه القبائل نحو الجنوب الشرقي ليدخل الحزام المطير في دارفور وكردفان بينما بقي آخرون في حوض بحيرة تشاد او يمموا مع نهر شاري غربا تلقاء ما يعرف الان بالنيجر ومالي وما ورائها.

هؤلاء هم من يعنيهم هذا المقال بعبارة “عربان الشتات.

”لم يعتني عالمنا العربي بدراسة هذه الهجرات او عرب الشتات الذين نتجوا عنها.

واقتصرت الدراسات القليلة حول هذا الموضوع على التنقيب في بطون الكتب عما اورده ابن الاثير الذي عاش بعد قرن من تلك الاحداث وكان بعيدا عن مسرحها منشغلا بمرافقة صلاح الدين الايوبي والتأريخ لغزواته.

او لسان الدين الخطيب الذي جاء بعد ابن الاثير بقرن آخر وكان ايضا بعيدا بالأندلس يتسقط فيها ما يصله من خبر.

او المقريزي الذي، وان كان مقامه بالقاهرة، الا انه عاش بعد ثلاثة قرون من تلك الوقائع.

او ابن خلدون الذي فصلته عن الهجرة الهلالية نحوا من اربعمائة سنة.

ولعل أبرز دراسة عربية معاصرة لهذه الحقبة هي تلك التي قام بها الشاعر المصري الكبير عبد الرحمن الأبنودي لتوثيق “السيرة الهلالية” التي تعتبر أهم الملاحم الشعبية العربية.

اذ قام برحلة بدأت في صعيد مصر في مطلع الستينات لتشمل لاحقا تونس والسودان، ثم عربان الشتات في تشاد ونيجيريا.

وقد دون تلك السيرة على مدى ثلاثين عاما في خمسة مجلدات، ثم قدمها في إلقاء مسموع عبر الإذاعة المصرية له مقدمة مغناة اداها النجم محمد منير.

لكنه على سبق هذه الدراسة وقيمتها التوثيقية العالية الا انها كانت معنية بتلك السيرة الأدبية وحدها.

اما واقع المجتمعات التي نتجت عن تلك الملحمة فهو ما لم تلق له بالا.

غير ان اليهود هم من اولوا هذه الهجرات اهتماما اوسع ودرسوها بالطرق العلمية الحديثة ليقفوا على واقع وخصائص شعوب الشتات العربي ويتبينوا أنجع السبل للتعامل معها وكيفية توظيفها لخدمة اغراضهم.

فأنفقوا في ذلك الملايين.

ونتجت عن جهدهم مكتبة تضم المئات من الدراسات التي اتبعت في اعدادها أفضل مناهج علم الاجناس Anthropology وتقنيات الحمض النووي .

DNA وبينما أتيح قسم من هذه الدراسات للدارسين عبر محركات البحث الأكاديمي بالأنترنت، فهناك ما هو مصنف تحت درجات السرية العالية.

واذكر من الدراسات المفتوحة دراسة لتوماس ليفي وأوغستين هول نشرت عام ٢٠٠٢ في مجلة Journal of Anthropological Archeology .

عقدت تلك الدراسة مقارنة بين هجرة اليهود الى ارض كنعان حوالي ١١٠٠-١٣٠٠ قبل الميلاد وهجرة اعراب جذام الى شمالي الكاميرون ونيجيريا خلال الفترة من ١٠٥٠ -١٣٩٠ ميلادية، ممن يعرفون حاليا باسم “عرب الشُوا” Shuwa Arabs.

الاطروحة الاساسية التي تثبتها تلك الدراسة هي أن الهجرات تمثل قوى فعالة في تكوين هويات الشعوب.

فالهجرة الرئيسة لشعب ما تترسخ في “الذاكرة الجمعية” لذلك الشعب وتشكل شخصيته.

فمثلما ان رحلة التيه عبر صحراء سيناء قد شكلت هوية الإسرائيليين فان الهجرة لأربعة قرون بمحاذاة حوض النيل ثم وادي الملك هي العامل الحاسم في تكوين هوية عرب الشوا بشمال الكاميرون.

وبالرغم من تباعد النموذجين موضوع الدراسة تم التوصل الي انه في الحالتين كانت للهجرة الطويلة ذات الاثار على تشكيل هوية الشعبين.

دخل عربان الشتات لأول مرة في معادلات السياسة الدولية عام ٢٠٠٣ حين تم استخدام قسم منهم لإشعال فتنة دارفور.

ثم توسع نطاق استخدامهم في عملية عاصفة الحزم التي أطلقت في مارس ٢٠١٥.

حيث تم استجلابهم الى اليمن تحت مظلة الدعم السريع ليكسروا شوكة الحوثيين.

 

واخيرا أتي بهم لاجتياح الخرطوم.

وفي هذه المرة يتضمن السيناريو جعل السودان وطنا بديلا لهؤلاء العربان لتغيير التركيبة السكانية فيه على نحو يخلخل المجتمع السوداني التقليدي.

ومشروع إعادة توطين عربان الشتات بالسودان جزء من مشروع كبير يهدف لإبدال النخبة السياسية في بلاد الواق واق بنخبة علمانية المزاج.

نخبة تهيئ لتجاوز الثقافة التي ولدت لاءات الخرطوم الثلاث، تلك اللاءات التي لا تزال اسرائيل تعتبرها شوكة في خاصرتها.

بل نخبة تتجاوز ما يسميه البعض “سودان ٥٦”.

وإذا كان تغيير النخبة السياسية هو مشروع الغرب كله، تقوده امريكا وتقرها عليه اوروبا وتحركه إسرائيل من وراء ستار، فإن لفرنسا مشروعا خاصا بها ترجو تحقيقه بإعادة توطين عربان الشتات بالسودان.

فهي ترغب في التخلص من هذه المجموعات العرقية التي ترفض الاندماج في مجتمعاتها المحلية في الامبراطورية الفرنسية بغرب افريقيا وتنشط في تهريب البشر والاتجار في الاسلحة الصغيرة وترتبط بمنظمات ارهابية من شاكلة بوكو حرام وبعصابات اجرامية عابرة للحدود.

خلال العامين الاخيرين دخل تنفيذ هذه العملية مراحل متقدمة، وتولاه ميدانيا نفر مرتبطون بالأمارات ومن خلالها بفرنسا واسرائيل.

اذ تولى الاشراف العام على تنفيذ المخطط محمد صالح النظيف وزير خارجية تشاد الحالي، الذي ينحدر من ماهرية تشاد.

وقد كُلف في مارس ٢٠٢١ (بدعم معلن من فرنسا، وبتدبير خفي من الموساد ولا شك) بشغل منصب “الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في منطقة غرب أفريقيا ومنطقة الساحل”، ذلك ليدير كامل المسرح على اتساعه ببشره وبُجره.

وتزامن تكليف النظيف مع انتخاب محمد بازوم رئيسا للنيجر في ابريل ٢٠٢١، ايضا بترحيب معلن من فرنسا.

هذا رغما عن ان الأقلية العربية في النيجر لا تكاد تبلغ ١٪ من سكان تلك البلاد.

بالطبع توافق هذا كله مع تولي حميدتي منصب نائب الرئيس في السودان.

ولا ننسى ان حميدتي، وليس البرهان، هو الذي تلقى دعوةً للسفر للنيجر لحضور حفل تنصيب بازوم.

ما ان سلس القياد لهذا الثالوث حتى تكثفت الدعاية في تشاد والنيجر ومالي لتوطين عربان الشتات بالسودان.

وتقبل العربان الفكرة خاصة انها جاءت مصحوبة بضمان ان من يجندوا سينتدبون لليمن.

فذلك امر تبينوا جدواه، اذ تغيرت حيوات من عادوا من اليمن وتحققت احلامهم.

وهكذا انطلق المشروع حثيثا.

فما هي الا أشهر قليلة حتى تم نشر ماكينات اصدار البطاقة القومية السودانية وجواز السفر السوداني شرقي النيجر وجنوبي ليبيا.

وبالطبع ربطت هذه الماكينات عبر الاقمار الصناعية بشبكة السجل المدني في الخرطوم.

فاذا صدر الرقم الوطني المعين من موقع بالنيجر او الكفرة لا يعاد اصداره مرة أخرى بالسودان، بل يبدو وكأنه قد صدر من البينية او مجمع الخدمات بالسجانة او غير ذلك من المواقع.

وهكذا حصلت اعداد لا يعلمها الا الله على الرقم الوطني السوداني وكذلك جواز السفر.

ثم بدأت الخطوة التالية والتي هي ادخال عشرات الآلاف من هؤلاء الشبان “السودانيين” الى موطنهم الجديد ونقلهم مباشرة لمعسكرات تدريب قوات الدعم السريع بزعم اعدادهم للالتحاق بالفرق المقاتلة في اليمن.

هؤلاء هم عربان الشتات.

وهذه هي المؤامرة التي اتت بهم لدورنا في الخرطوم ومدننا وقرانا في دارفور وكردفان ومكنتهم من ارتكاب الفظائع المعلومة التي يندي لها الجبين.

غير ان هذه المؤامرة لم تكتمل فصولا بعد، فهي ترمي لتوطينهم في السودان وليس لمجرد اجتياح القيروان.

“فهناك حرب لابد من خوضها في هذه البلاد، ضد هؤلاء الذين تجرأوا كثيرا”.

في الجزء الثاني من هذا المقال نطرح رؤيتنا عن كيف يكسب شعبنا هذه الحرب، بعد ان كسب جيشه معركة الخرطوم.

فماذا نحن فاعلون لنحول دون خلخلة مجتمعنا ولنمنع تكرار غزو عربان الشتات ديارنا وتوطنهم فيها .

٢٦ يونيو ٢٠٢٣.

عربان الشتات وكيف نحبط مشروعهم الاستيطاني ( الجزء الثاني ) الدكتور الدرديري محمد أحمد في غرة رمضان ٤٤٩ هجرية (١٠٥٨ ميلادية) اجتاح الهلاليون اسوار مدينة القيروان المنيعة التي استعصت على الرومان لأربعة قرون.

فاستباحوها وعاثوا فيها فسادا وفجورا وأجلوا عنها اهلها.

كانت تلك المدينة، التي أنشأها الصحابي عقبة بن نافع، منارا انطلقت منه بعثات تعليم اللغة العربية ونشر الدين الاسلامي في المغرب العربي كله.

فقد ألّف قاضيها سحنون المدونة في الفقه المالكي.

وكتب ابن ابي زيد رسالته ونوادره في رحابها.

وخط فيها البراذعي تهذيبه.

وكانت عظيمة الثراء، فهي المركز التجاري الاول في المغرب العربي كله.

لكن الهلاليون قد تركوها اثرا بعد عين.

غير ان ذلك لم يكن هو أخطر ما حاق بالقيروان.

فالأسوأ منه هو ان القيروان لم تتمكن من ان تنهض من كبوتها.

وقد سجل الرحالة الذين عبروا بها بعد سقوطها بعدة عقود، من امثال الادريسي وابن سعيد والعيدري، كيف انهم وجدوها قاعا صفصفا وقد اندرست معالمها ويبست بساتينها وحطمت قصورها واحرقت دورها وسقطت مئذنة جامعها الكبير ومحرابه الشهير، الذي كانت تضبط على اتجاهه محاريب المغرب العربي كلها.

بل بسقوط القيروان انطفأ نور المغرب العربي وتلاشى دوره في العالم الاسلامي، وصار للعالم الاسلامي مركزان أحدهما مشرقي (فاطمي وعباسي) والآخر اندلسي.

ودخلت بلاد المغرب العربي فترة كئيبة في تاريخها سميت “حقبة الظلام”.

اما الخليفة الفاطمي المستنصر ووزيره اليازوري، الذين دفعوا بالهلاليين لتغريبتهم (مزودين كل واحد منهم بحصان ودينار) فلم يبالوا بما حاق بأهل القيروان او مدينتهم.

ولم يضعوا اعتبارا لرابطة الاسلام ولدور القيروان الكبير في خدمته.

​أترك للقارئ تسمية من دفعوا بعربان الشتات “لتشريقتهم” إلينا.

وأسميها “تشريقة”، مقابل “تغريبة” الهلاليين، لأن الغزاة الذين أتونا قد انطلقوا شرقا وليس غربا.

واترك للقارئ كذلك استحضار ما زود به مستنصر هذا الزمان الغزاة من عدة وعتاد مما ذاع خبره.

ولا شك ان القارئ يتفق معي ان من دبروا هذه “التشريقة” لن يبالوا بما لحق بالخرطوم واهلها، ولن ينفقوا درهما او دولارا لإعادة اعمارها، ولن يأبهوا إذا اندثر السودان وعفا اثره.

هذا رغم ان السودان “جزء من المجتمع الدولي” كما كان يقول حمدوك، ورغم انه ملتزم بالتوقيع وشيكا على الاتفاقيات الابراهيمية، ورغم انه اجتهد لاسترضاء امريكا والسعودية بقبوله وساطتهما.

فاذا كان بنو السودان يعتبرون بمصائر من سبقهم من الامم، وإذا كانوا عارفين بالطبيعة المتوحشة للإقليم الذي فيه يعيشون، وإذا كانوا مدركين لشراسة المجتمع الدولي ومَكره الكُبَّار، فانه لا ينبغي لهم التعويل الا على الله وأنفسهم إذا أرادوا لبلادهم أن تقف على قدميها ولعاصمتهم ان تعود رياضاً غناء على مقرن النيلين.

وأول مقتضيات ذلك هو ألا يسمحوا لما حدث بأن يشتت جمعهم ويفرق كلمتهم.

فعليهم ان يسدوا المنافذ لمنع هذه “التشريقة” من ان تتكرر.

ونخصص هذا الجزء من المقال لاستقصاء ذلك.

​​ حرص من نظموا هذه “التشريقة” على الاستفادة من المسميات القبلية المشتركة لعربان الشتات مع بني عمومتهم من قبائل جهينة بالسودان.

فكان الغطاء الذي استخدم لتنفيذ هذا المشروع الاستيطاني هو ادماج عربان الشتات في قبائل جهينة السودان ذات الأسماء القبلية المطابقة لمسميات قبائل عربان الشتات.

فعربان الشتات ينتسبون الى الجد الأكبر “جنيد” الذي هو أيضا جد مجموعات كبيرة تستوطن دارفور وكردفان والنيل الأبيض.

ويشمل ذلك الرزيقات والمسيرية والحوازمة والمحاميد والماهرية واولاد راشد وبني هلبة والتعايشة والهبانية والسلامات وخزام وسليم واولاد حميد.

ويحظى اسم “جنيد” باحترام كبير في الذاكرة الجمعية لهذه القبائل.

لذا أسس من نظموا “التشريقة” المئات من المنصات الاجتماعية والإعلامية في الفضاء الإسفيري تحمل اسم جنيد.

واستأجروا المقار لذلك الكيان القديم الجديد.

وسميت كبرى شركات آل دقلو “شركة الجنيد”.

ثم نفضوا الغبار عن ذكرى “عطية” و”حيماد”، إبني جنيد، وجعلوا بإسميهما تمظهرات سياسية لكيانين فرعيين.

ولكن شتان بين أبناء جهينة السودان وعربان الشتات.

فبسبب الهجرات التي تطاولت زمانا وتباعدت مكانا تباينت المجموعتان تباينا كبيرا رغم وحدة الأصل والاسم، فاتخذتا طرائق قددا وصارت لكل منهما شخصيتها وهويتها الخاصة.

تلحظ ذلك في اختلاف اللهجات وطرق التحية والمأكل والملبس والنظافة الشخصية والمحكيات التراثية.

كما تلحظه في رقة الدين لدى عربان الشتات وجهلهم بالشعائر والشرائع وبغضهم للغريب وعنصريتهم المفرطة وضعف دور المرأة لديهم.

​إضافة الى الاثر الذي نتج عن اختلاف الهجرات، هناك تباين آخر بين المجموعتين حدث بسبب انصهار قبائل جهينة السودانية في البوتقة الوطنية في هذه البلاد نحوا من ثلاثة قرون طورت فيها هذه القبائل ولاء لوطنها الجديد وامتزجت في اعراقه المتعددة.

فشاركت قبائل جهينة السودانية في ملاحم السودان ومشاهده الكبرى بدءا بمعركة المقدوم هاشم سلطان المسبعات ضد السلطان تيراب عام ١٧٩٠ ميلادية.

حيث دخلت تلك القبائل في حلف مع العبدلاب لمناصرة المقدوم هاشم.

كيف لا وكانت لها موجدة ضد السلطان تيراب وسلفه الذين أساءا معاملتهم وسلطا زبانيتهما على الظعائن والقطعان عند عبورها بلادهما.

وضربت جهينة السودان بسهم وافر في الثورة المهدية، التي خرجت منها لها ما لها وعليها ما عليها شأنها في ذلك شأن كل قبائل السودان الكبرى.

وحازوا في ربوع غرب السودان حواكير فسيحة غير متنازعة.

فنَعِم الهبانية، مثلا، بدارهم “الكَلَكة الما ليها مَلَكة”، واعتز المسيرية بدار “دينقا ام الديار”.

وعلى ذلك قس.

اذ ما من قبيل منهم الا وله بادية لا تقل مساحتها عن إنجلترا.

ثم برز منهم افذاذ في الإدارة الاهلية ممن شبوا في بيئة صاغها ترتيل القرآن وتلاوة راتب الامام المهدي وصهيل الخيول وازيز النحاس، فتشربوا الفضائل السودانية كابرا عن كابر وأطلق حكماؤهم من طراز الناظر بابو نمر والناظر موسى مادبو والناظر علي الغالي مقولات جرت مجرى الأمثال.

وقد زامل هؤلاء اضرابهم من زعماء العشائر الأخرى مثل شيخ العرب عوض الكريم أبو سن والناظر علي التوم نداً لند وبادلوهم وداً بود.

وكانت بيوت النظار في دارفور وكردفان رائدة في ابتدار المصاهرات مع قبائل سودانية أخرى.

وحذا حذوهم الكثيرون من افراد قبائلهم فاختلطت الدماء وتمازجت الأعراق وتشابهت الملامح.

ثم جاء التسلك في الجندية والشرطة، والالتحاق بالتعليم النظامي، وامتهان الوظيفة الحكومية، والاشتغال بالتجارة والزراعة، والانتظام في الأحزاب السياسية الكبرى والطوائف الدينية، وانتشار الراديو والتلفاز، وذيوع اغنية الحقيبة، وشيوع رياضة كرة القدم، وما الى ذلك من ممسكات الوحدة الوطنية.

ثم ترابطت اصقاع البلاد المترامية بالسكك الحدي وطرق الاسفلت فتواصل الناس وتآلفوا.

ثم كان الانفعال بالقضايا الوطنية الكبرى مثل الاستقلال وقضية الجنوب وثورة اكتوبر ونزاع حلايب.

 

اصابت جهينة السودانية من كل ذلك بقسط، مما أدى الى تكثيف تفاعلها في الفضاء الوطني وتقارب مزاجها وبقية السودانيين وتوحدها معهم في الوجدان.

كما ظهرت في بوادي هذه القبائل كبريات المدن ووسيطاتها من شاكلة نيالا وبرام وعد الفرسان والضعين والفولة والدبيبات فعرف قاطنوها مخالطة المجتمعات والمنتديات الجامعة والمناسبات المفتوحة وتعدد الاعراق.

وحين اتفق السودانيون على اعلان الاستقلال من داخل البرلمان انبرى لتقديم الاقتراح عبد الرحمن دبكة ناظر عموم بني هلبا.

لم ينل الناظر دبكة ذلك الشرف صدفة، وانما كان لذلك سبب معلوم وقصة تروى.

إذ كان قد استقبل قبلها بعدة أشهر الزعيم إسماعيل الازهري اثناء جولته في دارفور استقبالا مهيبا بعد الغنم.

وعند اعتلاء الناظر دبكة المنصة للترحيب بالضيف الكبير هتف “عاش السودان حرا مستقلا”.

فهاجت الجماهير وماجت وارعدت بذلك الهتاف ليشق عنان السماء.

وقد تأثر الزعيم الاتحادي بذلك ايما تأثر.

وربما أسهم هذا المشهد العفوي في اكمال الصورة لديه والبلاد تتأهب للاختيار بين الاستقلال او الوحدة مع مصر.

ومن ثم تقرر ان يتقدم دبكة بذلك المقترح التاريخي.

​اين عربان الشتات من كل هذا! اين هم من هذه البوتقة الكبرى التي صهرت السودانيين جميعا وقوت رابطتهم.

وأين الانفتاح على هذه المعاني الوقادة من الإنكفاء على سرديات مغلقة ولدتها هجرات ابدية في تيه سرمدي.

وهل لعربان الشتات مصاهرات حتى مع بني عمومتهم جهينة السودان فضلا عن ان تكون لهم صلات بقبائل السودان الأخرى! انني لا اقول ان هؤلاء ملائكة واولئك شياطين.

لكنني ارصد ما بين الفريقين من اختلاف شديد قد يفوت على الذي تُعشي بصره الاسماء المشتركة للقبيلين.

وهو اختلاف له انعكاساته العملية.

فقد رفض زعماء جهينة السودان مشروع حميدتي وتوجسوا خيفة من اشراك عربان الشتات في مسائل من خصوصيات وطن ليس لديهم له أي انتماء.

فنفض اقطاب بيت مادبو اياديهم مبكرا في اعلان جهير.

ولحقت بهم بيوتات النظارة في دار المسيرية.

بل وجه مثقفو هذه القبائل سرا وعلانية نداءات لحميدتي وهو في عزه وصولجانه يوزع الملايين كما توزع قطع الحلوى.

فناشدوه ان يطامن من احلامه وقالوا “انا نرى شجرا يسير”.

وقد قرأ الناس ما كتبه المهندس عبد الله مسار.

وسمعوا ما أعلنه السيد موسى هلال.

وبلغ المهتمين خبر النصيحة المرة التي صدع بها سياسيون كبار من هذه القبائل في جلسات خاصة مع حميدتي.

ومن هؤلاء اقطاب المسيرية احمد الصالح صلوحة وعمر سليمان والخير الفهيم المكي.

ومنهم سلمان سليمان الصافي زعيم الحوازمة.

وحين شارك في مقتلة الدعم السريع وهمجيته بعض ابناء هذه القبائل، إما ممن كانوا أصلا ضمن مجنديه او من المارقين الذين اغراهم السلب والنهب، تبرأ ذويهم من فعالهم.

فأبوا أن يضيفوهم لدى عودتهم او يعترفوا ان ما أتوا به غنيمة تحل لهم.

بل منهم من رفض ان يمد يديه لقراءة الفاتحة على ابنه الذي قتل في صفوف الدعم السريع.

وقد ساء هذه القبائل ما لحق بالجنينة مثلما ساء ذلك سائر اهل السودان، بل أشد.

ذلك لأن الدعم السريع قد استغل اسماء هذه القبائل في تلك المجزرة البشعة.

فما يجمع ماهرية السودان بالمساليت أرسخ من ان تنفصم عراه بسبب فعال هذه الجماعة المارقة.

وما بين الناظر محمود موسى مادبو والسلطان سعد عبد الرحمن بحر الدين من رابطة الوطن والاخاء في الدين أمتن من أي انتماء ضيق.

​ إن استغلال من نظموا هذه “التشريقة” اسم قبائل جهينة السودان هو اشد جوانب هذا المكر دهاء وأكثرها تعقيدا.

ذلك انه من شأن هذا الاستغلال أن يطلق عصبيات ضيقة من عقالها.

فاذا ما انجر السودان مجددا وراء تلك العصبيات فسيشهد انبعاثا جديدا لفتنة دارفور.

وإذا ما سار السودان في هذه الطريق النكِدة فسيوقظ فتنة تتضاءل ازاءها الفتنة التي اشتعلت في عهد الخليفة عبد الله التعايشي.

فتنةٌ تجتاح السودان كله فتقسمه الى فسطاطين، فسطاط لمن استهدِفوا بهذه “التشريقة” وفسطاط لمن يعتبروا ضمن من كانوا وراءها.

تقسيما جزافيا وعلى الهوية.

وهكذا يكون من خططوا “للتشريقة” قد نجحوا في مشروعهم بالرغم من الهزيمة العسكرية التي حاقت بهم.

ذلك انهم سيكونون قد غرسوا البذرة الاولى لتفتيت السودان واغراقه في حروب أهلية لا تقوم له بعدها قائمة.

وهكذا تواتي هؤلاء المخططين فرصة جديدة لتوطين اعراب الشتات بالسودان.

فبسبب الفسطاطين سيكون الناظر مادبو عدواً للسلطان بحر الدين.

وبسبب الفسطاطين ستخفت أصوات مسار وصلوحة والصافي واضرابهم فلا يصدعون بقولة الحق لدى قائد “التشريقة” الجديدة.

​ ان هؤلاء العربان هم المهدد الخارجي الاول للوحدة الوطنية في السودان.

فكم من حضارة كبرى اودت بها الهجمات المتكررة من شعوب صغيرة متبربرة تربض في الجوار القريب.

فذلك ما فعله التتار بالدولة العباسية، وما فعله الوِندال والقبائل الجرمانية بالإمبراطورية الرومانية، وما فعله النورمانديون بانجلترا.

بل هذا هو ما يعكف من خططوا لهذه “التشريقة” لفعله الآن.

إذ هل أتاك نبأ معسكر العوينات الذي دمره نسور الجو اول من أمس! وهل علمت ما روى من أنه كان فيه أربعين ألف مقاتل بعدتهم وعتادهم وتاتشراتهم! فإذا كان هذا المعسكر بالعوينات حيث تطاله طائراتنا المقاتلة، فما يدريك لعل المعسكر القادم يكون في اجدابيا او غيرها من المواقع الليبية.

ومن ثم فإن اوجب واجباتنا هو ان نتخذ من الترتيبات ما يعصمنا من زيارات لاحقة ومتكررة لهؤلاء العربان لديارنا في الجنينة او نيالا او الفاشر او الخرطوم.

فقد عرف هؤلاء العربان السبيل لبلادنا، وعرف من هم وراءهم كيف يوظفونهم.

ولن يقوم بنو السودان بهذا الواجب الا إذا تجاوزوا هذا الكيد الكبير بأن يتذكروا وصية شاعر صه يا كنار “فاذا تبدد شمل قومك فأجمعن”! فان هم فعلوا نجحوا في صد هذه التشريقات، “تشريقة” تلو “تشريقة”.

وستنفتح لهم بعدها مغاليق المستقبل.

فالتجارب القاسية هي التي تبني الأمم.

وقد مرت الأمم العظيمة كلها بتجارب مريرة مثل التي تعركنا اليوم.

فلولا ما عانته أوروبا اثناء الحربين من فظائع لما قوى عودها واشتد.

ولو لم يتعرض اليهود لمحنة الهولوكوست لما عنَت لهم الوجوه.

ولولا الحرب الأهلية الامريكية لما أصبحت أمريكا أعظم دولة في التاريخ.

ولولا التصميم الذي تولد لدى الشعب الصيني بعد انقضاء ما سمي قرن المذلة Century of Humiliation (١٨١٤-١٩١٥) لما نهضت الصين.

لا اشك مطلقا ان المحنة التي نمر بها اليوم من هذا الطراز الذي ينضج الأمم.

فهي حَرية بأن تدفع لسائر شعاب الحياة بجيل جديد تعتقه هذه المأساة.

وهي كفيلة بأن تولد لدى النخبة السياسية رؤية ثاقبة تستثمر هذه الفرصة التي واتت من بين فرث ودم لتطوير مشروع جامع يتجاوز الألاعيب الصغيرة التي قعدت بنا نحوا من سبعة عقود.

ما ان اندلعت هذه الحرب الا وكان كل من لاقيته او هاتفني من غير السودانيين يقول لي انه ما كان يظن ان معين السودانيين من التسامح والصبر على بعضهم يمكن ان ينضب.

وكان ذلك القول يوجعني ولا يواسيني.

غير ان عزائي كان هو ان هؤلاء لا يعلمون ان الذين اتخذوا من عاصمة بلادنا مضمارا للعبة الموت هذه، ما هم من بني بُجدتها ولم يتشربوا لِبانها.

فقد أُتي بهم غزاة في “تشريقة” وفدت الينا من وراء الحدود ومن دول الشتات.

اما السودانيون فانهم لم يهجروا “شدت” بعد، ولن يستبدلوها بكرة القدم الامريكية.

من هو : 

الدكتور الدرديري محمد أحمد //أستاذ القانون بجامعة الخرطوم

حاصل على الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة ليستر البريطانية. نال ماجستير القانون من جامعة لندن، وماجستير القانون الدولي لحقوق الإنسان من جامعة أكسفورد. كان الممثِّل القانوني للسودان في النزاع الحدودي بشأن منطقة أبيي لدى المحكمة الدائمة للتحكيم بلاهاي. كما كان مقرِّرًا لمفوضية المراجعة الدستورية التي صاغت دستور السودان في العام 2005. سفير سابق وعضو بوفد السودان المفاوض بشأن الاتفاقية التي منحت جنوب السودان تقرير المصير. تشمل اهتماماته البحثية القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي. صدر له حديثًا كتاب "الحدود الإفريقية والانفصال في القانون الدولي".